ستيف جوبز وأشجار الجميز

ستيف جوبز وأشجار الجميز

نذهب بعيداً عندما نعتقد أننا مخلدون في هذه الحياة، ونذهب أبعد عندما نعتقد أننا محور هذا الكون الشاسع وسر بقائه، ونخرج من المجرة التي نعيش فيها عندما نعتقد أن الحياة لا تستقيم دون وجودنا، وأن ميزان الكون سوف يختل إذا تزحزحنا قيد أنملة عن الأماكن التي زرعنا أنفسنا فيها وفرضناها على غيرنا، حتى غدونا كأشجار الجميز المعمرة التي كان قدماء المصريين يقدسونها ويعتبرونها شجرة الحياة.

«كنت أقول دائماً إنه لو حدث وأتى يوم لم أعد فيه أهلاً للواجبات والتوقعات التي تقع على كاهلي كمدير تنفيذي لأبل، سأكون أول من يعلمكم بذلك. مع الأسف، هذا اليوم قد حل. وامتثالاً لهذا الالتزام، ها أنا أقدم استقالتي من منصب المدير التنفيذي في أبل. وأحب أن أخدم، إن رأى المجلس ذلك ملائماً، كرئيس للمجلس، مديرا وموظفا لصالح أبل. أؤمن بأن أكثر أيام أبل إبتكاراً وإشراقاً لا زالت أمامها، وأتطلع لمشاهدتها والمساهمة في نجاحها من منصب جديد».
بهذه العبارات أعلن "ستيف جوبز" استقالته من منصبه كمدير تنفيذي لشركة "أبل" في الرابع والعشرين من أغسطس الماضي، مبديا رغبته في أن يستمر في خدمة المؤسسة (إذا رأى مجلس الإدارة ذلك ملائما) في موقع آخر، مؤمنا بأن القادم من أيام "أبل" بعد استقالته من منصبه، أكثر إشراقا مما مضى وهو مدير تنفيذي لها!

"ستيف جوبز" الذي كانت وفاته محور الأخبار والتعليقات والأحاديث والمقالات والرسائل الهاتفية و"البرودكاست" الأسبوع الماضي، ليس رئيس دولة جاء عبر انقلاب عسكري، ولم يرث الرئاسة بتفصيل القوانين وتغيير الدساتير كي تنتقل إليه بنعومة وسلاسة، أو بالقوة إذا تعذر ذلك، ولكنه مؤسس شركة "أبل" التي بناها من الصفر، وانطلق بها من مرآب سيارات لتصبح بعد سنوات عملاقا اقتصاديا ينافس كبريات الشركات العالمية، ولاعبا أساسيا في ميدان تطوير أجهزة الحاسوب والهواتف النقالة، ووضعها في متناول الجميع لتسهيل حياة البشر وتواصلهم بيسر وسهولة.

من بين الدروس التي تناولتها أجهزة الإعلام والمواقع الإلكترونية بعد وفاة ستيف جوبز، يبرز درس الشجاعة في اتخاذ القرار والانسحاب في الوقت المناسب، وفي اللحظة التي يشعر الإنسان فيها أنه لم يعد قادرا على تقديم ما هو متوقع منه. وهو ما فعله بالضبط ستيف جوبز، رغم أنه كان قادرا على اداء الكثير مما لا يمكن أن يقوم به غيره. الشاهد في هذا الموقف هو المقارنة التي يمكن أن نجريها بين جوبز وبين الكثيرين ممن يصرون على البقاء في أماكنهم والتمسك بالكراسي التي يجلسون عليها، رغم أنهم لم يصلوا إلى هذه الكراسي بالطرق التي تمنحهم الحق في الجلوس عليها، ورغم أنهم قد توقفوا عن العطاء منذ زمن طويل، ورغم أن وجودهم في هذه الأماكن أصبح عائقا يوقف دوران عجلة الحياة، بل ويدفع بها إلى الوراء ويمنع وصول من هو أجدر منهم ويسلبه حقه في أخذ دوره، كما يسلب الأماكن التي يحتلونها حقها في التطور وتقديم الأفضل.

كان بإمكان ستيف جوبز، رجل "أبل" الأسطوري ومالك القسم الأكبر من أسهمها، أن يتمسك بمنصبه كمدير تنفيذي للشركة حتى الرمق الأخير مثلما يفعل الكثيرون ممن لا يملكون، لكنه آثر مصلحة الشركة التي سطر ملحمة تأسيسها وكتب قصة صعودها، فقرر أن يفي بوعده ويمتثل لالتزامه، مقدما درسا بليغا لأولئك الذين تنقصهم ثقافة الانسحاب في الوقت المناسب، ممن لا يعرفون أحجامهم الحقيقية فيصرون على البقاء في مواقعهم والتمسك بمناصبهم، حتى لو اضطروا إلى هدم المعبد على الجميع، أو غمر الطوفان الأرض فأهلك الزرع والضرع، وهم يقفون على تلة "نيرون" يتفرجون على احتراق روما دون أن يحركوا ساكناً.

نشاهد هذا على مستوى المسؤولين الصغار الذين يشكلون النواة الأولى لدوائر التسلط الأكبر، ونشاهده على مستوى المسؤولين الكبار الذين تنطبع شخصياتهم على من يقعون في دائرة سلطتهم أو تسلطهم، ونشاهده على مستوى القيادات العليا التي لا تتورع عن تحطيم كل من يقف في طريقها أو يحاول عرقلة رحلة صعودها إلى الطبقات العليا من السلطة، حتى نصل إلى قمة الهرم لنستعيد مشهد فرعون عندما أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى، قبل أن يأخذه الله نكال الآخرة والأولى، ليكون في ذلك عبرة لمن يخشى.

عندما نرى فرعونا صغيرا في دائرة من الدوائر يعطل مصالح الناس ويفرض عليهم مزاجه المختل، علينا أن ندرك أن هناك فرعونا أكبر يدفعه إلى هذا السلوك، تماما مثلما تتحرك أحجار الدومينو متأثرة بحركة الحجر الأول منها. الفارق الوحيد بين الفراعنة الجدد وأحجار الدومينو أن الأحجار تتحرك وفقا لقوانين الطبيعة فتتساقط الواحدة بعد الأخرى، أما الفراعنة فيرفضون التسليم بهذه القوانين ويظلون متمسكين بمواقعهم، يرفضون السقوط أو مجرد التحرك منها لإفساح المجال لغيرهم كي يأخذ دوره، مثلما هي سنة الحياة دوماً.

هكذا هي أشجار الجميز، تفرض وجودها، رافضة التسليم بقوانين الحياة، لكن هذه القوانين تأبى إلا أن تقول كلمتها، فكل شجرة لها أجل محتوم مهما طال بقاؤها، وعندما يحين هذا الأجل تجف الأوراق وتتساقط، قبل أن تتهاوى الجذوع، فلا يعود منها سوى بقية من هشيم تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً.

التعليقات
لايوجد تعليقات. كن أول المشاركين على ستيف جوبز وأشجار الجميز
إضافة تعليق
  • عدد الاحرف المتبقية:200
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------