تطويرالمحتوى العربي.... أمانة أم تجارة ؟

هيثم مسعود

كان لإنتشار الإنترنت في المنطقة العربية مؤخراً الأثر الأكبر في نمو عدد المستخدمين طردياً في معظم الدول العربية خصوصاً من قبل الشباب الباحثين عن المعلومات بشتى أنواعها، مما أسهم بزيادة الإقبال على تصفح المواقع العربية على إختلاف تصانيفها، ونتج عن هذا تزايد عدد زوارالمواقع إلي متوسط قد يصل ٣ مليون زائر شهرياً بالنسبة للمواقع الحيوية الناشئة حديثاً، مما أدى بدورهِ إلى تهافت الشباب من رواد الأعمال والشركات على الإستثمار في هذا القطاع بإنشاء مواقع تقوم على تطوير ونشر المحتوى العربي المتنوع على شبكة الإنترنت سواء كان المحتوى الترفيهي أو الصحي أو الإجتماعي والرياضي وغيرها من  عشرات التصانيف التي يبحث عنها المستخدم العربي.

إلا أن التسابق ما بين هذه المشاريع - سواءً كان يديرها أفراد أو شركات-  قد ساهم خلال العامين الماضيين بظهور نموذج من المواقع العربية بعيدةً كل البعد عن إثراء المحتوى الإلكتروني وذلك من خلال إنتاج وتحرير ونشر مقالاتٍ وصورٍ ومقاطع فيديو يركز مضمونها على الترفيه ونجوم الفن والإشعات المتعلقة بالمشاهير إلى أن وصل فيهم الحديث عن نوعية ملابسهم وثرائهم وغيرها من المعلومات التي يتهافت عليها المراهقين، مما زاد من مشكلة المحتوى الإلكتروني تعفيداً في الوقت الذي تسعى فيه شركات و حكومات وأفراد لإثراء المحتوى وتطويره ضمن مبادرات ومشاريع ريادية في عالمنا العربي.

إن ضخ مثل هذه المواد بهدفٍ تجاريٍ أدى إلى خلق حاجةٍ مستمرةٍ لها عند المراهقين والشباب وساهم بزيادة الإقبال عليها، مما أفقد الإنترنت قيمته كمرجعٍ ثقافيٍ ونبع لتطوير الفرد والمجتمع ، بل مما زاد المشكلة تعقيداً أيضاً هو مشاركة هذه الفئة بإنتاج محتوى يتصف بالركاكة وللأسف تتلقاه محركات البحث بصدرٍ رحب ليظهر بأعلى صفحات نتائج البحث ضمن ألغورتمياتها الخاصة. 

وبالنظر إلى هذا النمو الطردي بنشر المحتوى الترفيهي بمزيجه المطرب فكريا تكاد أن تتلاشى أحلام المهتمين بتطوير محتوى إلكتروني عربي ثقافي علمي يغطي إحتياج أبنائنا اليوم والأجيال القادمة غداً بحيث أصبح هذا النوع من المحتوى مهمشاً يتجاهل  تطويره الكثير من المستثمرين و الأفراد وحتى أن الكثير من الكتّاب والإعلاميين من قطاع النشر الإلكتروني أصبحوا يفضلون نشر المواد التي يسعى ورائها الأغلبية لتحقيق عائد مالي للشركات التي يعملون بها.

فأصبح المحتوى العربي ينمو ضمن " إطار تجاري بحت " سيثقل كاهل هذه الصناعة بسبب عدم توازن المحتوى الذي ينشر يوميا، مما يؤكد أن طريق العودة سيكون شاقاً لتغير قناعة وآلية تفكير المستخدم العربي التي نشأ عليها وصور الإنترنت لتكون  مصدر للمحتوى الترفيهي فقط، وأيمانهم المستمر أن المحتوى الثقافي والعلمي المفيد لا يلقى رواجا.

ومن جهة المعلن – مصدر الدخل الرئيسي لمشاريع المحتوى -  فإنه يبحث عن المواقع ذات الزيارات الأكثر، لا على الأفضل والأجود بنوعية المحتوى متناسيا طبيعة الزائر المستهدف عليها، فمجرد التواصل مع الكثير من الشركات التي كان لها تجارب بالإعلان عبر الإنترنت ضمن ميزانياتها المحدودة ستلحظ تأكيد غالبيتهم لعدم جدوى التسويق الإلكتروني نظرا لأن الشريحة المستهدفة غير متوفرة على الإنترنت، وإيمانهم بأن شبكات التواصل هي البوابة الوحيدة للإعلان الإلكتروني الصحيح مما يحجب أكثر من ٤٥ بليون دولار من الإعلانات سنوياً عنها والتي يتم صرفها بالمقابل على الإعلانات المطبوعة والمتلفزة وغيرها بعيداً عن المواقع العربية التي هي بأمس الحاجة لدخل مالي لتستمر بالتطور والنشر وإثراء هذا العالم المتعطّش لتلك الكتب المكدسة على رفوف المكتبات.

ببساطة، آرى رعباً يسيطر على الكتّاب و أصحاب و إدارات المواقع من الدخول لميدان المحتوى الأنيق والإيجابي والمهذب فكرياً، وإقبالهم على ما يطلبه المشاهدون فقط بإستخدام أدوات جوجل، بدلاً من إثراء محتوى متوازن ترفيهي وثقافي يساهم بتحفيز الشباب على الإطلاع والمشاركة في هذا النوع من المادة الغنية المفعمة بالثقافة لعقول الأجيال المقبلة.

الكاتب ضمن أي مؤسسة هو ليس فقط آلة تنفذ المهام، بل هو يصنف كإعلامي صحاب رسالة سامية تهدف لتآلق العقول والمساهمة بنشر الوعي وخدمة الباحثين عن المعلومة، علينا أن نساهم ببناء هذه الصناعة بشكل يصقل معالمها ويحفز دخول الإستثمارات وتدفق الأموال لتنميتها وتطويرها، وبعيداً عن المثاليات لابد من أن لا نتحول إلى ناشرين تقليدين يسعون وراء سراب الربح السريع بدون وجود أهداف تخدم اللغة والوطن والإنسانية.

ولنتذكر...إن كل كلمة وصورة ومقطع فيديو يتم نشره وعرضه لملايين المتصفحين هو بمتابة غرسة ستبقى عبر السنين ينهل منها الأجيال، فإن طاب هذا الغرس طابت العقول، لابد أن نراعي " نحن مطورين المحتوى العربي والناشرين " الأمانه التي تقع علينا بنوعية مشاركتنا في هذه الصناعة.

هيثم مسعود آل سيف
4 من أبريل/نيسان لعام 2012 ميلادية
17 جمادى أول 1433 هجرية

سمات
التعليقات
  • خلود سالم
    خلود سالم
    الجمعة 06 مارس 2015
    كل الشكر
  • أحلام عبيد
    أحلام عبيد
    السبت 23 يونيو 2012
    الإعلام رسالة، ومحتوى أي مادة إعلامية هو فعلا مسؤولية وأمانة، لك مني التحية
  • ريماز
    ريماز
    الخميس 19 ابريل 2012
    الإعلام الحدث يصنع على إيدي متخصصين مبدعين ولكن غالبيتهم من الجيل الموديرن الذي لا يضع لنفسه إي خطوط حمراء
  • عبد العزيز العنقري
    عبد العزيز العنقري
    الاحد 15 ابريل 2012
    لك مني التحية،
  • سمر الحديثي
    سمر الحديثي
    الاحد 15 ابريل 2012
    في هذا الزمان أصبحت الأقلام تسعى للشهرة فقط
إضافة تعليق
  • عدد الاحرف المتبقية:200
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------